ابن ميثم البحراني

50

شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )

القوى إنما هي بحسب شدة فتورها ، واما العرفان فإنه مختص بأمر يوجب الاستغناء عن الغذاء وهو سكون البدن عن اعراض القوى البدنية عن أفعالها جال مشايعتها للنفس وانجذابها معها حال توجهها إلى الجناب المقدس وتطعمها بلذة معارفة الحق ، واليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن خليله عليه السلام : والذي هو يطعمني ويسقين ( 1 ) وبقول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم : انى لست كأحدكم ، أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني . وإذا عرفت ذلك ظهران المرض وان اقتضى الامساك الخارق للعادة الا ان العرفان بذلك الاقتضاء أولى ، واما القدرة على الحركة التي تخرج عن وسع مثله فهي أيضا ممكنة وبيان - سببها انك علمت أن مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيواني فالعوارض الغريبة التي تعرض للانسان تارة تقتضي انقباض الروح بحركته إلى داخل كالخوف والحزن ، وذلك يقتضى انحطاط القوة وسقوطها ، وتارة تقتضي حركته إلى خارج كالغضب أو انبساطا معتدلا كالفرح المطرب والانتشاء ( 2 ) المعتدل وذلك يقتضى ازدياد القوة ونشاطها وإذا

--> ( 1 ) - آية 79 سورة الشعراء . ( 2 ) - ب : " الانتشاب " أقول : هذا المطلب مأخوذ من كلام ابن سيناء في أوائل النمط العاشر من كتاب الإشارات ونص عبارته : " تنبيه - قد يكون للانسان وهو على اعتدال من أحواله حد من المنة محصور المنتهى ( إلى أن قال ) وكما يعرض له عند الانتشاء المعتدل وكما يعرض له عند الفرح المطرب فلا عجب لو عنت للعارف هزة كما يعن عند الفرح فاولت القوة التي يعرض له سلاطة أو غشيته عزة كما يغشى عند المنافسة فاشتعلت قواه حمية ( إلى آخر ما قال ) " قال المحقق الطوسي ( ره ) ضمن شرح العبارة ما نصه : " والانتشاء السكر ( إلى أن قال ) واعلم أن مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيواني فالعوارض المقتضية لانقباض الروح وحركته إلى داخل كالحزن والخوف يقتضى انحطاط القوة والمقتضية لحركته إلى خارج كالغضب والمنافسة أو لانبساطه انبساطا غير مفرط كالفرح المطرب والانتشاء المعتدل يقتضى ازديادها وإنما قيد الانتشاء بالاعتدال لان السكر المفرط يوهن القوة لاضراره بالدماغ والأرواح الدماغية ، ثم لما كان فرح العارف ببهجة الحق أعظم من فرح غيره بغيرها وكانت الحالة التي تعرض له وتحركه اعتزازا بالحق أو حمية الهية أشد مما يكون لغيره كان اقتداره على حركة لا يقدر غيره عليها أمرا ممكنا ومن ذلك يتعين معنى الكلام المنسوب إلى علي ( ع ) : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن قلعته بقوة ربانية " .